14 juin 2009
خطاب أوباما.. ضرورة الإنتقال من بلاغة الخطاب إلى بلاغة الفعل
أزراج عمر
هل يمكن اعتبار ما جاء في خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي وجهه للعالم الإسلامي من خلال مصر منطلقا لعهد جديد في الرؤية الأمريكية- الغربية للإسلام كثقافة وحضارة وللمجتمعات الإسلامية؟ وما هو المطلوب الآن منا لاستثمار الفرصة للشروع في إطلاق الحوار الثلاثي الإسلامي- الأوروبي- الأمريكي وفق مقاربات علمية ومتحضرة وبعيدة عن التشنج والانغلاق والأفكار المغرضة المسبقة؟ وكيف ينبغي أن يفعّل مثل هذا الحوار؟. وفي هذا السياق لا بد من الملاحظة بأن النقاش بين العالم الإسلامي وبين الغرب يتميز بسوء التفاهم، ولم يتجاوز دائرة التأثير الاستشراقي السلبي، وكدمات الحروب الصليبية... وعلى كثرة نقاط الخلاف والاختلاف التي ينبغي توضيحها بصراحة كاملة والعمل جماعيا لتجاوزها إلى فضاء يسمح ببناء أسس التفاهم، ومن ثم الانتقال إلى مرحلة العمل المشترك في كافة المجالات التي لها صلة بالتنمية المادية والمعرفية، فضلا عن السياسة والدبلوماسية. وفي الواقع، فإن خطاب الرئيس أوباما لم يكن كلية ذا نكهة غربية، بل هو ممزوج بتجربة ورؤية أوباما نفسه الذي ينتمي وجدانيا، على الأقل، إلى منطقة التقاطع الثقافي الإسلامي- المسيحي، وإلى فضاء التعددية الثقافية والجغرافية باعتبارها مقوّما من مقومات الهوية والشخصية الأخلاقية القاعدية. ومن هنا، فإن محتوى خطاب أوباما تنتفي فيه التشنجات التي عوّدنا عليها الرئيس السابق جورج دبليو بوش، وكذلك تمركزه الأمريكي الغربي بشكل لافت للنظر ومقلق ومخيف في آن واحد. على هذا المستوى يمكن النظر إلى خطاب الرئيس أوباما بأنه متزن، وليس فيه أي تطاول على المسلمين؛ فالرجل قد دعا بوضوح إلى الاحترام بين العالم الإسلامي، وبين العالم الغربي- المسيحي، وهذا في حد ذاته تطور إيجابي في الموقف الأمريكي العنصري وخاصة في عهد جورج بوش الذي يذكر سواء بسبب ممارساته، أم بسبب أفكاره بالعهود الاستعمارية الكلاسيكية التي قسّمت الشرق والغرب إلى قطبين اثنين، أساس العلاقة بينهما الصراع الدموي، والتباين المطلق بخصوص قضايا الحرية والسلم، والتعاون في عالمنا المعاصر. ومهما يكن فإن خطاب الرئيس باراك أوباما لم يقدم الآليات العملية لتجاوز المنطق القديم، ولم يوضح بما فيه الكفاية كل عناصر البرنامج النظري والعملي التي من شأنها أن تكون أرضية جديدة لحوار إسلامي- غربي متفتح نزيه وصادق وصريح. مما لا شك فيه أن اعتراف أوباما بالخطأ الأمريكي المتمثل في غزو بوش للعراق واحتلاله خطوة إيجابية، ولكنه لم يقدم اعتذارا للعراقيين وللعالم الإسلامي، كما أنه لم يعد بالتعويضات المادية والمعنوية للشعب العراقي؛ وبالمقابل فإن اعترافه بخطأ الاحتلال للعراق لم يتزامن مع العدول عن ممارسة الحرب الأمريكية في أفغانستان، وبالعكس فإن أوباما يعتبر ساحته الحربية الشرعية هي أفغانستان؛ ويعني هذا أن خيار الحرب لا يزال جزءا عضويا في السياسات الخارجية الأمريكية. إنه صحيح أن أوباما قد قال بوضوح بأنه لن يبقي قواته العسكرية في أفغانستان بعد إنجاز المهمة التي تسمى في الأدبيات السياسية والدبلوماسية الأمريكية عادة بمهمة القضاء على جيوب العنف والتطرف الديني الأصولي الذي يشكل خطرا على الأمن القومي الأمريكي، ويبدو واضحا أن أمريكا ما بعد جورج دبليو بوش لا تزال على الصعيد النفسي مسكونة باحتمال ضرب عمق الولايات المتحدة الأمريكية وتكرار أحداث 11 من سبتمبر 2001م. وبناء على هذا فإن ما جاء في خطاب أوباما لا يمثل فعليا إستراتيجية متكاملة وقطيعة حاسمة مع الثقافة والظروف التاريخية لمراحل معروفة بالصراع الاستعماري بين الشرق والغرب، وإنما يمثل الدعوة إلى التهدئة، وإلى تأمل المشكلات القائمة. ففي التحليل الأخير، فإن خطاب أوباما يمكن أن يؤدي إلى التفكير في التصور من أجل حوار أكثر جدية وتجاوزا للجمود الذي طغى في الماضي البعيد والقريب، وخاصة فيما يتعلق بتجميد حوار شمال- جنوب، وحوار "5 + 5" على ضفتي المتوسط. حوار الأنظمة أم الشعوب؟: لقد أكد أوباما على مجموعة من النقاط، وهي أن الاستعمار ليس حلا، وأنه مرفوض، وأن الموقف من الحجاب ينبغي أن يراعي حرية الاختيار، وأن يرفض أية ممارسة جبرية تعسفية، كما بين أنه من حق الفلسطينيين في دولة مستقلة دون أن يذكر شيئا عن عودة اللاجئين، وكذلك القدس، أو الآليات الكفيلة بتسوية النزاع العربي- الإسرائيلي بشكل شامل بما في ذلك مرتفعات الجولان ومزارع شبعا، وإخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل بما في ذلك القضاء على ترسانة إسرائيل النووية. وفي الواقع فإنه قد لمح بشكل غير مباشر بأن تغيير الأنظمة السياسية في منطقة الشرق العربي- الإسلامي بواسطة التدخل العسكري غير وارد في سياساته، وخلافا مع سياسات سلفه جورج دبليو بوش فإن أوباما قد ركز أكثر على حقوق الإنسان، وطالب بعدم استخدام القوة والتعسف. ولكن الشارع العربي الإسلامي يعرف تماما بأن الموقف السياسي للإدارات التي تولت السلطة في البيت الأبيض الأمريكي لم يهتم إطلاقا بالديمقراطية الحقيقية في المجتمعات العربية الإسلامية ولصالح الجماهير الشعبية، وبالعكس فإن هذه الإدارات تسلك السياسات النفعية بغض النظر عن الديكتاتورية التي تمارس من طرف معظم الأنظمة العربية الإسلامية التي تقيم معها العلاقات الدبلوماسية والتجارية. ففي الوقت الذي كان جورج دبليو بوش يتحدث عن مشروع دمقرطة الشرق الأوسط الكبير، فإنه كان يعتبر أنظمة غير منتخبة ديمقراطيا حليفة له. ويبدو أن أوباما قد غسل يديه من بعض سياسات سلفه بوش دون أن يتزامن ذلك مع إعلان الموقف الراديكالي ضد توريث الحكم وعدم تطبيق العدالة في كل المجالات التي تمس الإنسان في حياته اليومية من المحيط إلى الخليج على وجه الخصوص. شروط تفعيل الحوار: من المعروف أن الحوار الموسع والشامل والدائم لا ينجح إلا إذا امتد إلى المجتمعات والجماهير الشعبية غربيا وعربيا إسلاميا، ونحن ندرك أن الحوار بين الشعوب الإسلامية وبين الشعوب الغربية ومنها الشعب الأمريكي تعترضه عقبات كثيرة وفي مقدمتها عدم وجود أشكال التنظيم والقنوات التي تحقق التواصل بين الأطراف جميعا. ومن الشروط الضرورية لتفعيل الحورا العربي الإسلامي يمكن أن نبرز ما يلي:
1- العمل جماعيا لتفكيك الصور النمطية التي كرسها الإستشراق الكولونيالي في المجتمعات الغربية، وقبلها فترة الحروب الصليبية عن العالم الإسلامي وشعوبه.
2- إعادة النظر جديا في السياسات الدولية ما بعد الكولونيالية التي تتميز بأنها استمرار مقنّع، وموارب للعلاقات الكولونيالية الإستغلالية والمتعارضة مع مبادئ الحرية وحقوق الإنسان وسيادات الأوطان وكذلك سيادة الشعوب.
3- إعادة بناء المؤسسات ذات الطابع الدولي بما يضمن تمثيل الشعوب والأمم تمثيلا متساويا وفقا للشرعية الدولية وللقانون الدولي.
4- إنشاء مؤسسات غربية- عربية إسلامية تكون مهمتها إذابة الجليد عن حوار شمال- جنوب، وجعله مهمة ذات أولوية، بحيث تشمل كل المشكلات القائمة بين القطبين مع معالجتها جماعيا، وفي إطار جداول زمنية محددة وعلى ضوء المصالح المشتركة وبعيدا عن السيطرة والهيمنة.
وهنا ينبغي طرح مجموعة من الأسئلة وهي:
أ- لماذا لم تتخلص حتى الآن العلاقات بين الغرب وبين العالم الإسلامي من الارث الكولونيالي الذي يتكرر نمطيا ويأخذ أشكالا متعددة منها الثقافية والعلمية والإقتصادية.. إلخ؟.
ب- ما هي نقاط التعارض التي تولد التوتر بين القطبين؟
ج- كيف ينبغي أن تكون أشكال الحوار بين الغرب والعالم الإسلامي؟
وفي الواقع فإن العلاقات القائمة حاليا بين الغرب والعالم الإسلامي لا تزال متأثرة بالماضي الاستعماري وإفرازاته. وهكذا، فإن المطلوب لتجاوز هذا الإرث هو أن يحصل حوار حقيقي على مستوى النخب والشعوب والقيادات حول ظاهرة الإستعمار باعتبارها تتنافى مع السلوك المتمدن والمتحضر، وأنها هي الجدار الفاصل بين المجتمعات. وهنا فإن تواصل هذا الإستعمار في شكله الكلاسيكي كما هو في فلسطين وفي الجولان ومزارع شبعا، وسبتة ومليلية وفي العراق وأفغانستان أمر يمثل انتكاسة للحضارة، ونكوصا إلى الوحشية. إلى جانب هذا فإن إحدى بؤر الصراع تتمثل في الفجوات الإقتصادية والمعرفية والفكرية والتكنولوجية التي تفصل بين تكتل الشمال وبين منطقة الجنوب وامتداداتها في الجغرافيات المدعوة بجغرافيات العالم الثالث. إنه لا بد من توفير جميع الإمكانيات لردم هذه الفجوات الواسعة جدا من أجل تحقيق تقارب اقتصادي ومعرفي وفكري وتكنولوجي ونفسي بين الطرفين؛ وبدون إنجاز هذه المهمة فإن العلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي لن تكون مستقرة أو متناغمة ودائمة، وفي هذا السياق فإنه ينبغي على القيادات الغربية، بما في ذلك الرئيس باراك أوباما، أن تدرك بأن تحقيق الديمقراطية مشروط، تاريخيا وعضويا، بتحقيق الرفاه الاجتماعي والمعرفي والتكنولوجي والاقتصادي، ودفع مستوى التعليم والخدمات وضمان حق الوصول إلى ما يضمن الترقية في السلم الاجتماعي في عمق المجتمعات العربية- الإسلامية. وهكذا فإن حالة الانفراج في السياسات الدولية بصورة عامة، وفي العلاقة بين أمريكا والغرب وبين العالم العربي الإسلامي يمكن أن تتجسد، شرط أن يتم تجاوز الذهنية الكولونيالية، وأن يعمم الرفاه بكل أنواعه ومضامينه، وأن تسود العدالة في العلاقات الدولية، وأن تشجع التنمية وأن يتم القضاء على الجهل والأمية. إن هذه الشروط غيرها هي الكفيلة بوضع الأسس الواقعية للانتقال من مجاز وبلاغة الخطاب إلى بلاغة الفعل في العلاقات المتطورة بين الغرب/ أمريكا وبين العالم العربي الإسلامي والتي هي الضمانة الحقيقية للتعايش والاستقرار والأمن





.







